وتصاعد التوتر بعد تحذير روسي من أن بولندا قد “تختفي خلال 3 أيام” إذا دخلت في مواجهة عسكرية مع موسكو، رداً على تصريحات بولندية قللت من القدرات الروسية. وتزامن ذلك، وفق ما ورد في برنامج ستوديو ون مع فضيلة على سكاي نيوز عربية، مع إعلان الجيش الدنماركي إطلاق وحدات روسية قنبلة مضيئة باتجاه مروحية تابعة له، وإسقاط حلف الناتو طائرة مسيرة فوق ليتوانيا.
ويرى الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي أن هذه الحوادث لا يمكن فصلها عن نمط روسي أوسع يقوم على اختبار استعدادات الناتو و العالم نيوزانتشار قواته، خصوصاً في بولندا ودول البلطيق والمناطق الشمالية من أوروبا.
جس نبض لا مقدمة فورية للحرب
وقال العزاوي، خلال حديثه إلى سكاي نيوز عربية، إن التحركات الروسية تندرج ضمن ما يُعرف عسكرياً بـ”عملية التثبيت وجس النبض والاستطلاع بالقوة”، معتبراً أن هدفها لا يقتصر على الاستفزاز السياسي، بل يمتد إلى جمع المعلومات وتشتيت قدرات الحلف واختبار سرعة استجابته.
واستحضر اختراقات سابقة للأجواء الليتوانية بطائرات، بينها مقاتلات، موضحاً أن هذه العمليات تتيح لموسكو قياس جاهزية الدفاعات و العالم نيوزنقاط القوة والضعف في انتشار الناتو.
ولم يقدم العزاوي دليلاً مادياً حاسماً يثبت أن جميع المسيّرات التي تحدثت عنها الدول الأوروبية انطلقت من روسيا، لكنه وضعها ضمن سياق تحركات وصفها بالمتكررة، تستهدف استكشاف استعدادات الحلف في ظل استمرار الحرب الأوكرانية وتطور الضربات في العمق.
ويزداد هذا الملف أهمية بعد انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو، وما نتج عنه من تحول كبير في البيئة الأمنية شمالي أوروبا. وبحسب العزاوي، تحاول روسيا اختبار المناطق التي أصبحت أكثر حساسية بالنسبة إليها، مرة عبر بيلاروسيا ومرة عبر مسارات قريبة من دول البلطيق وبولندا.
إسقاط المسيّرة لا يعني فشل مهمتها
يحذر العزاوي من اعتبار إسقاط أي طائرة مسيرة نهاية للمهمة أو انتصاراً دفاعياً كاملا، موضحاً أن المسيرة قد تكون أرسلت المعلومات التي جمعتها قبل استهدافها.
وقال: “كثيرون ينظرون إلى إسقاط الطائرة المسيّرة باعتباره إنجازاً، لكنه لا يشكل إنجازاً إذا كانت وصلت إلى منطقة المهمة وأخذت المعلومات وأرسلتها مباشرة”.
وأضاف أن المسيّرات الحديثة لا تحتاج إلى العودة إلى نقطة الانطلاق لتسليم ما جمعته، إذ تستطيع بث الصور والبيانات فورياً. وبذلك، قد تحقق “الغاية الأساسية” حتى إذا أسقطتها الدفاعات الجوية لاحقاً.
ويصف العزاوي هذا الأسلوب بأنه “استطلاع بالقوة باستخدام الطائرات المسيّرة”، وهو جزء من الحرب الهجينة التي تسمح بجمع المعلومات وإرباك الخصم، مع إبقاء المسؤولية السياسية والعسكرية في منطقة رمادية يصعب معها إثبات الجهة المنفذة بصورة قاطعة.
حرب عالمية مصغرة
رغم تصاعد الحوادث، يستبعد العزاوي أن تكون روسيا بصدد استدراج الناتو فوراً إلى حرب مباشرة، ويرى أن ما يجري أقرب إلى اختبار متبادل للقدرات. فالقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا والصين، تدرك أن الصدام المباشر قد يقود إلى مواجهة يصعب التحكم في مسارها.
لكنه يعتبر أن الحرب الأوكرانية باتت عملياً “حرباً عالمية مصغرة”، بسبب تعدد الأطراف المنخرطة فيها. فروسيا تقاتل بصورة مباشرة، بينما يقدم الناتو لأوكرانيا السلاح والمعلومات الاستخباراتية والدعم الصناعي، من دون إشراك قواته رسمياً في القتال. كما أشار إلى أدوار للصين وكوريا في المشهد وفق قراءته.
ويقول العزاوي إن الدعم الغربي عزز القدرات الذاتية لأوكرانيا، وإن لم يجعلها موازية للقوة الروسية، لكنه أسهم في خلق درجة من التوازن وإطالة أمد المواجهة.
لماذا تقف بولندا في قلب الخطر؟
تحتل بولندا موقعاً مركزياً في الحسابات الروسية، لوجود قواعد وقوات أميركية وبنى عسكرية أطلسية على أراضيها، إلى جانب دورها في دعم أوكرانيا. ولذلك، يرى العزاوي أن التهديدات الموجهة إليها تحمل رسالة تتجاوز وارسو إلى الحلف بأكمله.
وفي المقابل، أعاد الناتو تموضع قواته ورفع الإنفاق العسكري، خصوصاً على الجبهة الشرقية، مع تنامي المخاوف من انتقال التوتر إلى دول أخرى إذا انتهت حرب أوكرانيا، سواء بتسوية سياسية أو حسم عسكري.
وبين التهديدات لبولندا والمسيّرات فوق دول البلطيق والحوادث المحيطة بالقوات الدنماركية، تبدو موسكو والناتو أمام معادلة شديدة الخطورة: حرب هجينة تتوسع تحت سقف المواجهة المباشرة، لكن أي خطأ في الحسابات قد يحول اختبار الدفاعات إلى صدام عسكري أكبر.
