فمع تزايد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي التي يمكنها تحليل الأسئلة وتقديم إجابات لحظية واستنساخ أشكال الأفراد، لم تعد الكاميرا وحدها كافية بالنسبة إلى الشركات للتحقق من أن المرشح يخوض المقابلة بقدراته الذاتية.
ولمواجهة هذا الخداع التكنولوجي المتطور، بدأت بعض الشركات باعتماد إجراءات غير تقليدية خلال مقابلات العمل عن بُعد، تشمل مراقبة حركة عينيْ المرشح، وطلب مشاركة شاشة الكمبيوتر أمامه، وصولاً إلى مطالبته بالتلويح بيده أمام وجهه للتأكد من أن الشخص الموجود أمام الكاميرا هو بالفعل طالب العمل أي المرشح نفسه وليس صورة أو شخصية مولّدة رقمياً.
بروتوكولات التدقيق والغاية منها
وبحسب تقرير أعدته صحيفة “وول ستريت جورنال”، واطّلع عليه موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، فإنه بينما ترغب العديد من الشركات في معرفة مدى براعة الباحثين عن عمل في استخدام الذكاء الاصطناعي، وقد تشجع على استخدامه، إلا أن هناك بعض الأسئلة التي لا تزال تتطلب من المرشحين الإجابة عليها دون مساعدة، مثل: كيف يفكرون في حل مشكلة معينة، وتفاصيل خبراتهم العملية السابقة، أو كيف تجاوزوا موقفاً صعباً في وظيفة سابقة، ولذلك، ومع انتشار أنظمة الرد الآلي المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق، لجأت الشركات إلى تشديد إجراءات التقييم عن بُعد عبر إتخاذ التدابير الآتية:
- مراقبة حركة العينين: قد تستخدم بعض الشركات أنظمة لتحليل اتجاه النظر وحركته خلال المقابلة وذلك ل العالم نيوزما إذا كان المرشح ينظر باستمرار إلى منطقة خارج الشاشة، مثل هاتف أو شاشة ثانية، للحصول على إجابات جاهزة.
- طلب مشاركة شاشة الكمبيوتر: الهدف من هذه الخطوة هو معرفة ما الذي يحدث على جهاز المرشح أثناء المقابلة، وما إذا كان ينتقل بين علامات تبويب أو يستخدم تطبيقات أخرى للحصول على مساعدة خارجية، مثل أدوات الذكاء الاصطناعي أو محركات البحث.
- طلب تحريك الكاميرا داخل الغرفة: هذا الإجراء يهدف أساساً إلى التحقق من البيئة المحيطة بالمرشح، فقد تحاول الشركة التأكد من عدم وجود شخص آخر في الغرفة أو أي جهاز إضافي يُستخدم لتقديم المساعدة.
- طلب إزالة الخلفية الافتراضية: الخلفية الافتراضية قد تخفي البيئة الحقيقية التي يجلس فيها المرشح، لذلك، قد تطلب الشركة إزالتها حتى تتمكن من رؤية الغرفة والتأكد من عدم وجود أجهزة إضافية خارج إطار الكاميرا.
- التلويح باليد أمام الوجه: هذه الخطوة تستهدف بصورة خاصة التلاعب الرقمي والتزييف العميق. فإذا كان الفيديو يعرض وجهاً مولداً أو شخصية رقمية تحاول تقليد شخص حقيقي، فقد تواجه بعض الأنظمة صعوبة في التعامل مع حركة مفاجئة مثل مرور اليد أمام الوجه، لأن ذلك يغيّر مؤقتاً شكل الوجه.
- تتبّع عنوان IP: يمكن للشركات الاستعانة بعنوان بروتوكول الإنترنت (IP) للتحقق، ضمن حدود ما تسمح به الخصوصية والقوانين المعمول بها، من الموقع التقريبي للمرشح ومقارنته بالموقع الذي صرّح بوجوده فيه.
شهادة من الميدان
وتقول هيلذر ويلكوكس، وهي مديرة توظيف سابقة تبحث عن وظيفة حالياً، إنها خضعت مؤخراً لعدد من مقابلات التوظيف عن بُعد، كان أحدها يستخدم برنامجاً لمراقبة حركة عينيها للتأكد من عدم استعانتها بنص معدّ مسبقاً. كما طُلب منها في مقابلات أخرى عدم استخدام خلفية افتراضية أثناء مكالمات الفيديو.
وبصفتها مديرة توظيف سابقة، تتفهم ويلكوكس هذه الإجراءات، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي جعل عملية التوظيف أكثر صعوبة، إذ أصبحت السير الذاتية تبدو مثالية إلى حد كبير، فيما بات بإمكان جميع المرشحين تقريباً تقديم الإجابات الصحيحة.
بدورها، تقول إليسا باريت، رئيسة قسم الموارد البشرية في شركة الاتصالات والأمن Somos، التي تتخذ من نيوجيرسي مقراً لها وتعتمد بشكل أساسي على العمل عن بُعد، إن الشركة تتلقى الكثير من طلبات التوظيف الاحتيالية، ولذلك بدأت مؤخراً في فحص عناوين IP الخاصة بالمرشحين للتحقق من موقعهم التقريبي. كما عمدت الشركة إلى مطالبة المرشحين بإزالة خلفية “Zoom” الافتراضية وتحريك الكاميرا في أرجاء الغرفة، بهدف العالم نيوزأي مؤشرات تدل على أنهم لا يجرون المقابلة من المكان الذي صرّحوا بوجودهم فيه، أو التحقق من عدم وجود شخص آخر أو جهاز كمبيوتر في الغرفة يقدّم لهم المساعدة والإجابات.
العودة للمقابلات المباشرة
من جهتها، قررت شركة نومينال، التي تطوّر برامج لفرق هندسة الأجهزة، عدم توظيف المرشحين قبل خضوعهم لمقابلة شخصية داخل مقر الشركة. ويقول المؤسس المشارك للشركة برايس شتراوس إن هذا الأسلوب يتيح للشركة التحكم بشكل كامل في عملية التقييم والحد من فرص الغش.
وبحسب تقرير “وول ستريت جورنال”، فقد أظهر استطلاع أجرته Checkr، وهي منصة للتحقق وشمل 3000 مدير، أن 59% من المستطلعين اشتبهوا بتلقي المرشحين للوظائف مساعدة من أدوات الذكاء الاصطناعي لتزييف معلوماتهم الشخصية أثناء عملية التوظيف.
حق المؤسسات في التثبت
وتقول جومانا أبو جخ وهي خبيرة توظيف ومديرة قسم موارد بشرية، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن أدوات الذكاء الاصطناعي بدأت تغيّر مفهوم الثقة داخل عملية التوظيف نفسها، فعندما يصبح من الصعب على صاحب العمل التمييز بين المهارة الحقيقية والمهارة المصطنعة أو المدعومة تكنولوجياً، فإنه من الواجب إتخاذ إجراءات غير مسبوقة تساعد على اكتشاف الغش، لافتةً إلى أنه من حق أصحاب العمل اللجوء إلى أي أسلوب فعّال وقانوني يثبت قدرة المرشح على التفكير واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية بنفسه، بدلاً من الاعتماد على إجابات مثالية يُنتجها الذكاء الاصطناعي.
مقابلات بقواعد جديدة
وبحسب أبو جخ فإن الشركات بدأت تتجه تدريجياً إلى إعادة تصميم مقابلات التوظيف عن بُعد عبر فرض بيئة تقييم معزولة كلياً، تضمن أن لا شيء يحصل في محيط المرشح يمكن أن يقدم له مساعدة غير مشروعة، بدءاً من تحييد الشاشات الثانوية وأجهزة التلقين الآلي، وصولاً إلى التحقق البيومتري المباشر من هويته، ما يشير إلى تحول المقابلة من مجرد حوار بين المرشح وصاحب العمل إلى عملية تقييم متكاملة، مشددةً على أنه حتى هذه الخطوات لا يمكن أن تضمن بشكل كلي أن المرشح لا يستعين بأي شكل من أشكال المساعدة الخارجية، خصوصاً مع التطور المستمر في تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على العمل بصورة خفية وفورية.
مهارات يصعب اصطناعها
وترى أبو جخ، أنه على أصحاب العمل وإدارات الموارد البشرية التركيز خلال المقابلات بصورة أكبر على المهارات التي يصعب اصطناعها آلياً، مثل القدرة على التفكير النقدي، والتعامل مع المواقف والطلبات غير المتوقعة، ولهذا يجب تصميم المقابلات بطريقة تضع المرشح أمام سيناريوهات ومشكلات عملية تتطلب منه التفكير والتفاعل واتخاذ القرارات في الوقت الحقيقي، مشددةً على أنه في المقابل، هناك خطر آخر يجب ألا تغفله الشركات وهو أن يؤدي الإفراط في إجراءات التحقق والمراقبة إلى جعل عملية التوظيف أكثر تعقيداً ونفوراً للمرشحين، فالشركة التي تتعامل مع كل متقدم باعتباره مشتبهاً به قد تنجح في الحد من بعض أشكال الاحتيال، ولكنها قد تخسر أيضاً مواهب جيدة لا ترغب في الخضوع إلى عملية توظيف شديدة التدخل في الخصوصية.
حدود الرقابة والخصوصية
من جهته يقول رامي الريس وهو مستشار توظيف، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن لجوء الشركات إلى وسائل أكثر تشدداً للتحقق من هوية المرشحين ونزاهة عملية التوظيف، لا يعني أنه لديها صلاحية مطلقة في مراقبة المتقدمين أو جمع أي نوع من البيانات عنهم، مشيراً إلى أن حق المؤسسات في حماية عملية التوظيف يجب أن يبقى متوازناً مع حق المرشح في حماية خصوصيته وبياناته الشخصية.
وبحسب الريس فإن الشركات مطالبة بأن تكون واضحة مع المرشحين بشأن طبيعة أدوات المراقبة المستخدمة، وما إذا كانت المقابلة أو عملية التقييم ستتضمن تحليلاً آلياً للصوت أو الصورة أو السلوك، كما يجب أن تكشف عن الجهة التي سيكون لديها الحق في الوصول إلى هذه البيانات ومدة الاحتفاظ بها، وما إذا كانت ستستخدم لأغراض أخرى غير التوظيف، مشدداً على أن القاعدة الأهم التي ينبغي أن تحكم القواعد الجديدة لمقابلات التوظيف عن بُعد هي “التناسب”، أي أن تكون إجراءات التحقق متناسبة مع مستوى المخاطر التي تحاول الشركة معالجتها، وأن لا تتحول مكافحة الغش إلى مبرر لمراقبة المرشح بصورة تتجاوز ما تقتضيه الوظيفة.
تكلفة التوظيف الخاطئ
ويشير الريس إلى أنه في المقابل، لا يمكن إغفال حق الشركات في التثبت من أن الشخص الذي ستمنحه الوظيفة هو فعلاً صاحب الكفاءة والخبرة التي قدّمها خلال مراحل التوظيف، لأن الخطأ في هذه المرحلة قد يتحول إلى تكلفة مباشرة على الأعمال، فالتوظيف لا يمثل مجرد قرار يتعلق بموظف جديد، وإنما هو استثمار في شخص سيشارك لاحقاً في اتخاذ القرارات وتنفيذ المهام والتعامل مع العملاء والبيانات والعمليات الداخلية، وبالتالي فإن اكتشاف ضعف قدراته بعد انضمامه إلى الشركة قد يكون أكثر كلفة بكثير من اكتشافه خلال مرحلة المقابلة.
